إفران بالمغرب: «سويسرا إفريقيا» وسحر الثلوج في قلب
الأطلس
إنه الشتاء ، وتحوّلت جبال إفران المغربية إلى لوحة بيضاء ساحرة جذبت إليها مثلا جماهير كأس أمم إفريقيا 2025 التي أطلق عليها الزوار لقب «سويسرا إفريقيا» نظراً لجمال طبيعتها الثلجية الخلابة . فإلى جانب الأجواء الرياضية للمسابقة، أثار منظر إفران المغطاة بالثلوج إعجاب العائلات والسياح العرب والأفارقة، وأشادوا بتنظيم المدينة ومرافقها النظيفة وحسن الضيافة المغربية.
التاريخ والمعمار الأوروبي
أسس
الاستعمار الفرنسي مدينة إفران عام 1929 كمنتجع جبلي صيفي («hill station») لغرض
الاستجمام، فقامت بلدية الحماية الفرنسية بتخطيطها على طراز “المدينة الحديقة” (Garden City) .
فحُدّدت
شوارع منحنية تحيط بها حدائق غناء، وشُيّدت فيها فيلات وأبنية شاليه مطابقة للطراز
الأوروبي في جبال الألب
.
ويبرز
في المدينة قصور ومرافق عامة ذات طابع أوروبي؛ فقد شيد القصر الملكي ونصب الحرب
ومبانٍ للخدمات وفق تلك الخطط التقليدية.
مع
ذلك، تمتد جذور الإفران إلى ما قبل ذلك؛ إذ كانت له مستوطنة أمازيغية منذ القرن
السادس عشر في وادي تيزقيت، سُميت «زاوية سيدي عبد السلام»، بنى سكانها بيوتهم
الأولى في كهوف صخرية (ولعلّ اسم المدينة يعود للأمازيغية بمعنى “الكهوف”).
اليوم
يأخذ مركز إفران شكلاً أوروبياً مميزاً: فتقع ساحة المدينة أمام نافورة حجرية
تُحاكي الطراز الكلاسيكي، وتحيط بها بيوت حجرية سقوفها حادّة الارتفاع ونوافذها
الخشبية
.
وفي
إحدى الحدائق الأوروبية بالمدينة يقف تمثال “أسد الأطلس” الحجري، المنحوت في
ثلاثينيات القرن الماضي، وهو من أبرز المعالم الأيقونية لإفران؛ حيث اعتاد الزوار
التقاط الصور التذكارية بجانبه.
وفي
عام 1995 افتتحت في إفران جامعة الأخوين بنظام أمريكي وتعليم إنجليزي،
فكانت إضافة عمرانية وثقافية أعادت رونق المدينة السياحي
.
وبجمال
هذه العمارة القديمة وحدائقها الأنيقة، تُضفي إفران شعوراً اروپياً فريداً في
المغرب، حيث يُقال إنها تضع الزوار أولاً وتقدّم تجربة وجودية متكاملة وساحرة.
الطبيعة والحياة البرية
تحيط
بإفران طبيعة غنية ومتنوّعة. فالمنطقة يغلب عليها غابات الأرز الأطلسي (الأرز
الجبلي) وبلوط السنديان والصنوبر، وهي تكتسي أشجارها بالأزهار البرية في الربيع.
تمرّ بالقرب منها منابع عدة أنهار، مما أسفر عن وجود سلاسل من البحيرات
والينابيع.
من
أبرز هذه البحيرات بحيرة دايت أوا (Dayet Aoua) التي تبعد
نحو 17 كم جنوب المدينة
.
تقع
البحيرة في أحضان غابات عذراء، وهي ملجأ مريح للعائلات: يمكن فيها صيد الأسماك أو
ركوب الزوارق والتنزه على ضفافها، بل حتى ركوب الخيل وسط المناظر الطبيعية
البانورامية
.
إلى
جانب البحيرة، هناك شلال عين فيطّل (Ain Vittel) على مسافة
3 كم من وسط إفران، وهو كتل مياه تتدفق بقوة من ارتفاع شاهق في الصخر
.
يشدّك
صوت الشلال المنهمر ومشهد الرذاذ المتساقط على الصخور، ويمكن الاستمتاع بالرياضات
البسيطة هناك مثل الركض على طول المسارات المحيطة وكرة القدم، بينما تُنظم فعاليات
لصيد الأسماك بمشاركة هواة الصيد.
يُعتبر
المنتزه الوطني لإفران من أروع الوجهات الطبيعية المجاورة. يمتد المنتزه في
غابات الأرز الكثيفة فوق قمم جبلية عالية
.
وفي
هذه الغابات تصادف قطعاناً من قردة المكاك البربري المهدّدة بالانقراض (وهي
النوع الوحيد من القردة الذي يعيش طليقاً في شمال أفريقيا)
.
تقترب
بعض القردة من الزوار معتادةً على البشر، مما يجعل مشاهدتها ومطاردتها بالأطعمة
المتوسطة فرصة ممتعة على أطراف الغابة. كما يعيش بالمنتزه حيوانات برية أخرى مثل
خنازير الغاب والأرانب والثعالب والطيور المحلية
.
يضفي
تنوّع الحياة الفطرية هذا على المنطقة طابعاً بيئياً فريداً، يثير إعجاب الزائرين
ويحفزهم على المعايشة الهادئة للطبيعة في أحضان الأطلس المتوسط.
أنشطة الشتاء في إفران
تتزين
إفران بالثلوج في الشتاء، مما يتيح مجموعة واسعة من الأنشطة الترفيهية الثلجية. من
أهم مراكز التزلج قرب المدينة منتجع ميشليفن للتزلج والجولف (Michlifen Ski Resort)، الذي
افتُتح في عام 1950. يقع المنتجع على ارتفاع نحو 2000 م وعلى بعد 17 كم من مركز
إفران
، ويضم خمس مسارات تزلج متنوعة تناسب مختلف المستويات (من
المبتدئين إلى المتقدمين).
تتراوح
هذه المنحدرات بين سهلة ومتوسطة، وتخدمها مصاعد تزلج لتسهيل الصعود
.
بالإضافة
إلى التزلج على الجليد، يوفّر المنتجع منصة للتزحلق بـ«التوبوجان» (العربات
الثلجية)، كما يتيح مجالاً لبناء تماثيل رجال الثلج بين الأطفال
.
وفي
أيّام الثلوج الصافية، يمكن لمرتادي ميشليفن الاستمتاع أيضاً بنشاطات صيفية خفيفة:
مثل رحلات المشي الجبلي والدرّاجات الهوائية الجبلية وركوب الخيل عبر مسارات الثلج
في الغابة
.
أما
على بُعد بضع كيلومترات، فيوجد جبل هبري الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 2100 م
.
كان
جبل هبري في الماضي محطة تزلج شهيرة لسكان المنطقة، ويشتهر اليوم بوجود مسارات
تزلج حرّ وتزحلق طبيعي
.
يقصده
الهواة لقضاء يوم ثلجي مختلف، فبالإمكان الإنزلاق عليه بالزلاجات المنزلقة
والتزلّج على الجليد دون تجهيزات فنيّة، أو مجرد ممارسة الأنشطة الثلجية الممتعة
كالالتقاط الصور الثلجية والتزحلق على حافة الغابة.
واليوم باتت إفران وجهة سياحية جبلية مميزة يقدمها الزائرون للاستجمام ومُعايشة الطبيعة. فالمدينة التي تعني بالأمازيغية “الكهوف” ، تقع شمالي المغرب على ارتفاع يناهز 1650 متر فوق سطح البحر، ما يمنحها مناخاً جبلياً قارصاً في الشتاء وصيفاً معتدلاً نسبياً . تتساقط فيها الثلوج بانتظام من أكتوبر وحتى الربيع ، ولقد سجّلت أبرد درجة حرارة في إفريقيا والعالم العربي (−23.9°C) . تجدر الإشارة أن دراسات دولية صنفت إفران كواحدة من أنظف مدن المغرب والعالم العربي ، الأمر الذي يعكس التزام السكان بنظافة المدينة ورافقها الخضراء.
باختصار
تقدّم
إفران في الشتاء تجربة ثلجية متكاملة:
التزلج سواء في
ميشليفن أو هبري، وركوب التوبوجان مع العائلات، وصناعة رجال الثلج واللعب
بالثلج. كما أن الثلوج المغطاة للمروج المفتوحة تحوّل المكان إلى ملعب طبيعي شتوي
نابض بالمرح والدهشة.
أنشطة الطبيعة الأخرى
بعيداً
عن الثلوج، تظل إفران وجهة طيبة في كل فصول السنة بفضل فرص السياحة الطبيعية. ففي
الربيع والصيف، تتوفر مسارات التنزه والمشي الجبلي الممتدة عبر قمم ومدرجات
الأطلس المتوسط. يمكن للسياح التنزه داخل الغابات الكثيفة، والاستمتاع بنسيم
الجبال العليل والإطلالات البانورامية. تتوفر كذلك درّاجات جبلية وحلبات لركوب
الخيل في القرى المحيطة، ما يتيح التنقل ميدانياً بين مشاهد الطبيعة الخضراء.
لأصحاب
الفضول العمراني، يوجد القطار السياحي الصغير داخل إفران، والذي يدور عبر
شوارعها وحدائقها ليعرّف الزوار بمعالم المدينة ومناطقها التقليدية
.
وهو
يمنحك لمحة خفيفة عن صميم المدينة القديمة والمباني الأوروبية. كما تنتشر بالمركز
حدائق ومنشآت عامة يمكن زيارتها، إضافة إلى عدد من المطاعم والمقاهي ذات الطابع
المغربي. تتميز معظمها بتقديم الشاي المغربي الأصيل والأطباق المحلية (كالتاجين
والكسكس) في أجواء مريحة بين البيوت ذات الأسقف الحادة والنوافذ الخشبية
.
الأنشطة السياحية الرئيسية
- زيارة بحيرة دايت
أوا: للاستمتاع
بمشهد المياه الهادئة وسط غابات الأرز، مع فرصة صيد الأسماك وركوب القوارب
وركوب الخيل على ضفافها .
- المشي إلى شلال
عين فيطّل: وهو
عبارة عن شلال عالي ينهمر بقوة من الجرف الصخري، مرفق بمساحات خضراء للراحة
وممارسة الركض وصيد الأسماك .
- التجوال في
الغابات الوطنية حول إفران: مثل
غابات أزرو وجوارها، للتمتع بطبيعة الأرز ولقاء حيوانات مثل قردة المكاك
البربري والأغنام البرية والطيور الجبلية.
- التزلج في ميشليفن
وجبل هبري: حيث
تتوفر مصاعد ومسارات تزلج مجهّزة، إضافة إلى أنشطة ثلجية ترفيهية كركوب
التوبوجان والمشي الثلجي وركوب الخيل الجبلي.
أفضل الفنادق والإقامة
تُقدّم
إفران خيارات إقامة متنوعة تناسب كل الميزانيات، من فنادق راقية إلى شقق ضيوف
ريفية وحمامات شعبية. من أبرز الفنادق:
- منتجع مشليفن
وغولف
(Michlifen Resort & Golf): فندق خمس نجوم فاخر مجاور
للمنتزه الوطني وعلى بعد 65 كم جنوب فاس . يضم
المنتجع 3 مطاعم فاخرة، وسبا (منتجع صحي)، ومسبحاً داخلياً مُدفئاً.
- فندق فارا إن
إفران
(Farah Inn): يقع في قلب المدينة وله موقع مميز،
ويشتمل على 3 مسابح (منها مسبح داخلي مُدفأ) وثلاث ملاعب تنس كما يوفّر خدمات
ومناظر واسعة .
- أوبيرج تورتيت
(Auberge Tourtite): مسكن ريفي تقليدي على بعد
11 كم من وسط إفران، يتميّز بحوض سباحة خارجي موسمي وحديقة واسعة ومواقف
سيارات مجانية .
- فندق بيرس نيجي
(Hotel Perce Neige): فندق صغير (3 نجوم) يقع
على بعد 400 م من تمثال الأسد، ويحتوي على تراس ومطعم، مناسب للعائلات
والأفراد الباحثين عن إقامة اقتصادية .
بوجه عام
تتراوح تكلفة الإقامة في فنادق إفران بين
300–700 درهم لليلة، حسب مستوى الخدمة
.
كما
توجد شقق وأكواخ للإيجار اليومي بأسعار معقولة (تبدأ من ~300 درهم)، بالإضافة إلى
رياض ضيافة مغربية تقليدية
(Riads) مزودة
بكل وسائل الراحة. ويوفر العديد من المقاهي والمطاعم في المدينة خيارات طعام
مغربية وعالمية، ما يضمن تجربة متكاملة للزائرين.
في الختام
إفران
المغربية تجمع بين جمال الطبيعة وجاذبية المعمار، وتقدّم للزوار قيمة حقيقية
بكونها مقصدًا سياحيًا على مدار العام: شتاؤها تجربة مليئة بالأبيض والبهجة،
وصيفها ملاذ بارد هادئ بعيداً عن حرارة المدن، ورُبيعها لوحة غابية نابضة
بالألوان. هي بلا شك من أجمل مدن الأطلس المتوسط، وفرصة فريدة للمسافر الذي يبحث
عن سحر الثلوج وصور الطبيعة.
%20(1)-min.png)
%20(1)-min.png)